عن مكان يدعى الـ"نادي"
يُحكى أنّه في زمن ما، بات فيه الإنسان غير مضطّر للرعي ولا للصيد، ولا حتى للزرع أو الحصاد، ولا حتى للاحتطاب، وأرجوك لا تسلني كيف للبشري أن يأكل
يُحكى أنّه في زمن ما، بات فيه الإنسان غير مضطّر للرعي ولا للصيد، ولا حتى للزرع أو الحصاد، ولا حتى للاحتطاب، وأرجوك لا تسلني كيف للبشري أن يأكل، فالمقام لا يسمح بأن أشرح لك عن صندوق الموجات الدقيقة، ذاك الذي يرسل أشعة غير مرئية، تتخلل جزيئات الطعام فتحيله ساخناً كأن لهباً اشتعل من فوقه ومن تحته في آن واحد في ستين ثانية فحسب. في ذلك الزمن، غدا الإنسان يقضي جلّ وقته على كرسي حديدي مغلّف بالقماش، يحرك أطراف أصابعه على لوح اسموه لوحاً للـ"مفاتيح" رغم أنه لا يحتوي على أي "مفتاح" ولا يفتح ذلك اللوح بالنقر عليه أي باب، لعلَّ القوم استوردوا الاسم من بلاد الفرنجة كما استوردوا اللوح ذاته. في ذلك الزمن اكتشف البشري أن هذا النمط من الحياة مُتعب للجسد حيث تبيّن له أن في الراحة تعبه، وأن جسده بعظمه وعضله وقلبه، يحتاج إلى بذل الجهد وإنهاك الأطراف. فما كان الحل العبقري الذي تفتّقت له قريحة ابن آدم في ذلك الزمان الرأسمالي الذي يَعظم فيه شأن المال وأهل الأموال؟ ابتكر البشري مكاناً أسماه "نادي"، ولا تسألني مجدداً عن سبب التسمية فأنا مثلك أجهله، فهو لا يشبه بحال نوادي العرب، ولا "يُنادَى" في ساحاته لأي شيء، باستثناء صرخات المعذبين من رفع أثقال تنوء بحملها الرجال أولي القوة.
والنادي -رعاك الله- يتألف من أقسام متعددة، يجمع بينها فيض من رائحة كريهة، ومنظر لأجساد كالحة، يؤدي فيه الرجال ضروباً من الحركات غير المفهومة. في أحد أقسامه يركض البشريون فوق آلة تتحرك أرضها بسرعة، ويصعدون درجاً وهمياً لا يُفضي إلى شيء. وفي ساحة أخرى يتراقص رجال كثّوا الشوارب على إيقاع موسيقى صاخبة مع قائد يقودهم في عبثهم ذاك. وقسم ثان يتألف من بركة ماء أسموها "مسبح"، يخلع بحذاءها الرجال ذوي الشوارب أنفسهم كل ما يرتدونه من لباس، إلا ما يستر عوراتهم، وينزلون جميعاً أو أشتاتاً في البركة المائية ذاتها، مختلطين حابلهم بنابلهم، يسبحون بدون وجهة، ويضربون بأيديهم وأرجلهم في سطح البركة على غير هدى.
أما ثالثة الأثافي، ثالث ساحات النادي فهي أرض مزودة بحدائد شتّى وصنوف مختلفة من ألوان العذاب. يُدعى فيها المرء إلى حمل ما تشتهيه نفسه من أثقال، يرفعها فوق صدره أو رأسه ويتأوّه، بما يبدو للناظر طقوساً عقابية لذاته التي انشغلت بشغلٍ يُنهك الذهن ولا يُنهك العضل، زاعمين أنهم بذلك يقوون عضلاتهم ويشدّون كروشهم، وكأنهم سيخرجون من غدهم لصيد الغزلان في البراري أو مجابهة عدو من المسافة صفر.
في النادي نوعين من الناس، الأول هو من استصحَّ له جسده، وأينعت عضلاته. ذلك الذي تكاد حين تبصره أن تهابه لولا أن تراه يتراقص في ساحة التدريب الجماعي التي ذكرتها لك آنفاً. يُخال للناظر إلى ذلك المستصح أنه سيذهب لساحات الوغى من غده، مفتول العضلات، مشدود الصدر، مكتنز الفخذين. أما القسم الثاني من روّاد النادي فهم ممتلؤو الكروش، ضعيفو العضلات، من تسكن الدهون الحشوية كلاهم وأكبادهم وتحيط بأفئدتهم إحاطة السوار بالمعصم. القسم الأول يَرِدُ النادي للحفاظ على ما أوتي من بسطة في الجسم. أما القسم الثاني فيأتي للنادي آملاً اللحاق بالقسم الأول، تراوده أحلام "الصدر السداسي" لكنّها ما تلبث أن تتهاوى أمام شطيرة شاورما تقطر دهناً بعد عدة ساعات من الانصراف من هذا المكان. تكاد لا تجد من روّاد النادي فئة بينهما، أو أن من ينتسب إلى ما بينهما يكون من فئة "الرعاة"، وهي فئة تدفع من دراهمها التي تجتهد في جمعها لحاجب النادي مُقنعة أنفسها أنها ستأتي ذات يوم لكنها لا تفعل، فالحاجة الملحّة للقدوم منتفية، والأجساد الكالحة ومنظر حاسري الصدور في بركة السباحة، المتجردين مما يستر نحورهم وصدروهم وأكتافهم، لا تحفز الرشيد من الرجال أن يأتي إلى هذا المكان.
وبين ساحات هذا النادي يوجد "المدرب"، وهو ينتمي في الأعم الأغلب للفئة الأولى. عندما يبصرك ذاك المدرّب آتياً بقدميك إلى مسلخه، بدهونك التي تشكل ثلثاً من جسدك، سيستوقفك من فوره ويصحبك إلى "الميزان" وهو جهاز عظيم الشأن، له يدان رفعيتان، سيطلب منك مصافحتها ليخرج لك تقريراً تنوء بحمله الأفئدة. سيقول لك الميزان في تقريره المخيف أنك لجسدك عاق، وأن عليك الإسراع باللحاق، فاسمع مني يا قارئي: إن اقتنعت بعرض المدرّب الخلّاق، فهنيئاً لجسدك العضل العملاق، وإلا فعليك بالانعتاق، قبل أن يبتلع من دراهمك ما تبقى بعد اشتراكك في النادي ذي السردايب والأعماق، فالفراق الفراق!
وبعد، فهذا هو النادي وذلك ما كان من أمره، بخيره وشرّه، وهو للبعض من الضرورات، ولآخرين من المسلّيات، وحين يبصر المرء ما آل إليه بنو آدم يحق له أن يتساءل إن كان فيهم رجل رشيد، يبتكر حبة دواء تهز الدهون الحشوية عن القلوب والأمعاء، وتحرك الأرداف والأكتاف، بينما ينام جسد المرء ويسبح في فراشه كل مساء؟ هل يتحقق للمرء هذا الحلم اللذيذ أم لا بد في دنيانا هذه من العناء؟! لعله يبدو حلماً بعيد المنال، لكن شيئاً غير مستبعد في عصر يتسابق أثرياءه إلى القضاء على كوكبهم بأسرع ما يكون طمعاً في جمع أكثر ما يكون، جاهلين أنهم إن جمعوا حطام دنياهم بعد أن يكونوا قد دمروها، فما يصنعون به حينئذ؟

