في حبِّ الشاورما: ما لا يسع المرء جهله

تعدّ هذه الشطيرة المنكفيّة على ذاتها، والتي مكنونها درّ ثمين، وغلافها خبز متين، من أبدع ما أنتج الإنسان ومن ألذّ ما طهته يداه.

تعدّ هذه الشطيرة المنكفيّة على ذاتها، والتي مكنونها درّ ثمين، وغلافها خبز متين، من أبدع ما أنتج الإنسان ومن ألذّ ما طهته يداه. وعلى أنَّ ما تقدَّم من وصف لهذه الشطيرة المحبوبة، لا يكاد يختلف عليه اثنان، إلا أنَّ ثقافة التعاطي معها لا يُجمع عليها الناس، فقد اختلطت على الجموع المعارف الشاورماتية وما عاد المرء يستطيع التمييز بين ما هو من قبيل الواجب، وذلك الذي مما يُسمح فيه للآراء أن تختلف، وللأذواق أن تتمايز. وعليه، كان لزاماً على أحد محبي تلك الملفوفة المثيرة، أن يقعّد للأمر قواعده، وأن يُثبت ما وجب إثباته، علّ الأمور تتضح للآكل، والزيف المحاط بقضيتنا يتآكل. ولما لم يقم بهذا الواجب أحد، ارتأيت أنّه لا بد مما ليس منه بد. وعليه، هاكم النقاط، فضعوها على الحروف، وعوها وامتثلوا لها، وإلا كانت شطيرتنا الغرّاء في خطر داهم، ومستقبلها مشوب بالكثير من الشجب والاستنكار:

أولاً: بادئ ذي بدء، فالشاورما فن، ولكل فنّ رجاله. وعليه، ليس كل من امتلك سيخاً لُقّبَ بـ"معلّم شاورما"، كما أن ليس كل من امتلك فرشاة صار رساماً. الفنُّ موهبة فطرية، ودربة مهنية، تفضي بمجموع الأمرين معاً -بإذن الله-إلى جمال أخّاذ وسحر يأخذ الألباب. وفي زمن كثر فيه المدّعون، فإننا نؤكد على أن ما كل من قال "شاورما" يبيع الشاورما حقاً، وما كل من امتلك سيخاً عدّ من أرباب الصنعة. فللفن أهله، وللصنعة خبراؤها.

ثانياً: الثوم لشاورما الدجاج، والطحينة لشاورما اللحم. أيصعب إدراك ذلك؟ الخلط في هذه المسألة يؤدي إلى عجب عجاب، يحيّر الألباب. غني عن الذكر بطبيعة الحال، أنَّ تزويد الشطيرة بأحدهما واجب لا مناص منه، فليست بشاورما من لم تدهن بالثوم أو تُسقى بالطحينة. أسموها إن شئتم بالدونر أو الجيرو، لكنها ليست بشاورما. قطعاً ليست بشاورما.

ثالثاً: الشاورما تؤكل حارة. لذلك من الطبيعي جداً أن تجد المرء يأكلها في سيارته، فور استلامها من صائغها. أرجوك لا تُسئ فهمي، فلو عاشرتني لعرفت أنني من أكثر خلق الله كرهاً لهدر الغذاء، وامتناناً للمولى على نعمة الطعام والشراب، فالشاورما تؤكل باردة بالطبع، ويعاد تسخينها، لكنها في تلك الحال تكون كالقهوة التي بردت، لا تحكمنّ عليها ولا على صائغها في حالتها تلك، فهي ليست في حالتها المثلى، فهوّن عليك.

رابعاً: الشاورما شطيرة وليست صحناً. الإبداع يا سادة نوعان، نوع محمود يتمثل في الإتيان بجديد مدهش، يضيف لحياة المرء ما لم يكن يخطر على باله، ونوع مذموم، وهو ذلك الذي يغيّر لأجل التغيير أو يضرب في ثوابت الأمور وأساساتها المتفق عليها دون هدف جدير بتحقيقه. أحسب وقد أكون مخطئاً، أن شاورمتنا العزيزة منذ فجر تاريخها كانت تؤكل كشطيرة، خبزة دائرية تحتضن ما حوت حضن الأم لجنينها، فما الداعي لأن يُفرد محتواها في صحن ينتهك فكرتها الأساسية؟! من أين أتتنا هذه الفكرة العرجاء؟ هل وسبق ورأيت صحناً للـ"برجر"؟ ما بالنا إذن نحترم البرجر ونقدمه بخبزتيه، وعندما يأتي الأمر لشاورمتنا العزيزة نستهين ونتهاون؟ سيقول قائل أن هناك من يتبع حمية الكيتو، أو أن هناك من لا يستطيع أكل الخبز، لا ضير. ذلك استثناء، استثناء يعزز من قناعتنا بالقاعدة فنقول أنّك مضطر لفرط شطيرتك، لا أن نتعامل مع الأمر بسهولة شديدة كما هو حاصل اليوم.

خامساً: الشطة اختيارية أما الكاتشب فممنوع. يجب أن تتوفر عند صائغ الشاورما قارورة شطة، فهو أمر اختياري يفضّله قطاع عريض من جمهورها وهو من الأمور التي يُستساغ فيها اختلاف الأذواق. أما الكاتشب فلا يضاف للشاورما قطعاً، فإضافته لها مُجانب لتمام الذوق وكمال الفهم في الحكم على الأمور. إن كنت مصراً على تناول الكاتشب، فلا تدعوها شاورما، أسمها "شبيهة الشاورما"، فالشاورما الحقة من فعلك براء عزيزي مدمن السكر.

سادساً: الجودة خط أحمر. على صائغ الشاورما إيلاء قدر كبير من الاهتمام بجودة ما يقدمه، وحداثة إعداده، ونظافة أدواته، فلا ينبغي لسيخ الشاورما أن يبقى منصوباً إلى أبد الآبدين، معرضاً إلى البكتيريا وأخواتها مما يؤذي بطون الطالبين.

سابعاً: الاقتصاد مطلب. على كل الحب الذي نكنّه لشطيرتنا الحبيبة، إلا أنّها ليست خياراً ينبغي عليك أن تسرف فيه، فهي للأسف تحمل في طياتها دهوناً شتى، وهي بالسعرات ملأى، فالحذر الحذر من الإفراط، والتوازن محمود في كل فعل أو نشاط.

ختاماً، إن كان ما تقدَّم قد بدى لك كمبالغة في مدح شطيرتنا الغرّاء، وإسراف في تقعيد الأصول، فأنت على الأرجح لست من خُلَّصِ أهل الشاورما، من أولئك الذين يقدّرون هذا الفن الأصيل، ونتاجه الجميل، كما ينبغي له أن يقدّر. لعلك كما أشرتُ في المقامة الشاورماتية سالفة النشر، من أهل البرجر أو البيتزا يا عزيزي، ولا حرج في ذلك. الحرج، كل الحرج، أن تدعّي أنك من رابطة عشّاق الشاورما ولكنك تجهل الأبجديات وتغيب عنك الحقائق البدهية، فلا أنت بالذي عرفت كيف تُصنع ولا أنت بالذي عرفت كيف تؤكل.

مدونة عبدالعزيز عثمان
مدونة عبدالعزيز عثمان
أعتقد أن مرة في الشهر كافية. ما رأيك؟