لا معلّم كالرحيل

لا معلّم كالرحيل. بالأمس يجالسنا. يضحك معنا. يتجاذب أحاديثنا الدنيوية إيّاها، واليوم هو هناك. في عالم لا يعود الذاهبون إليه منه.

لا معلّم كالرحيل. بالأمس يجالسنا. يضحك معنا. يتجاذب أحاديثنا الدنيوية إيّاها، واليوم هو هناك. في عالم لا يعود الذاهبون إليه منه.

هل أخاف الموت؟ زيارة القبور مرعبة. تجعل المرء يتساءل كثيراً عن صنيعه في حياته الدنيا. لكنَّ اليقين بالله، بالرحمن الرحيم، يهوّن كل شيء. يسكن المرء طمع في رحمته. أمل في جنته. طموح في نيل رضوانه. يفيض القلب محبة للمنعم. للمُوجد. لمن يرى كل شيء، ويسمع كل شيء. لمن نتوجه إليه وحده بالعبادة. يقين تام لا يشوبه شك. إيمان راسخ لا يهتز. 

أخذت أتساءل، لو غادرت الدنيا قريباً، فهل سيبكيني الكثير؟ لا أعتقد. فليست لدي كثير علاقات إنسانية عميقة، ولا أنني قد صنعت أثراً يلامس شغاف قلوب الخلق بحيث يبكون فراق صانعه. لكن هل لذلك أي أهمية؟ وماذا علي لو رثاني من رثاني، أو بكاني من بكاني؟ هل يزيد الفاني بكاء فانٍ آخر عليه؟ أتأمل بكاء الجماهير اليوم في عصر الشبكات الاجتماعية على الموتى المشاهير. حصدوا الصيت أحياء وأموات. كل هذه الأمنيات الطيبة ناتجة عن معرفة الناس بهم من قبل أعمال أفضل ما يقال عنها أنها تافهة، لكنها الشهرة، آفة العصر.

المهم حقاً هو مدى استعدادي للرحيل. الرحيل الذي نراه يتخطف الناس من حولنا ولا نظن أبداً أنه قد يطرق بابنا نحن غداً. نعتقد أننا بطريقة ما محصنون من ذلك. طول الأمل هذا هو ما يدفعنا للاستمرار، لأننا لو علمنا موعد الرحيل لتغيرت خططنا على الأرجح.

دائماً ما كان ذكر الجنة مرتبطاً بما بعد الحس وما بعد الإدراك. هي المكان الذي لا ندركه، ولن ندركه مهما فعلنا. ما لا عين رأت. إطلاقاً. ولا أذن سمعت. أبداً. ولا خطر على قلب بشر. هي إذن أبعد من ذلك كله، وأجمل من أجمل تصوراتنا. هي المكان الذي لسكانه ما يشاؤون و"المزيد". العظيم سبحانه، الذي إليه المنتهى، هو من يعد بها عباده الصالحين، فأي تصور يرقى لما قد تكون عليه؟ أي هدية أعظم من هدية مالك الملك عز وجل؟ غاية الأماني تلك الأرائك. الأنهار. الزيادة التي سمعنا عنها. المفاجآت المعدّة لعباده. هل نكون منهم؟

كلنا شوق لرؤيتها وسكناها سكنى أبدية، حيث النعيم المقيم، والسعادة المطلقة، فيا رب بلغنا. بلغنا أن نحيا دنيانا هذه كما تريد منا، وأكرمنا بآخرة أعددتها لعبادك الصالحين.

مدونة عبدالعزيز عثمان
مدونة عبدالعزيز عثمان
أعتقد أن مرة في الشهر كافية. ما رأيك؟